أحمد بن محمود السيواسي

214

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) [ 5 ] أي أشد الناس خسرانا ، لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم ولاستحقوا « 1 » النجاة والثواب . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 6 ] وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) ثم قال تعالى ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ) الموصوف بالهداية والبشارة ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) [ 6 ] أي إنك يا محمد لتلقنه من عند اللّه الحكيم في أمره العليم بأعمال خلقه تمهيدا لما يسوقه من الآيات بعد . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 7 ] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) قوله ( إِذْ قالَ مُوسى ) نصب ب « اذكر » مقدرة ( لِأَهْلِهِ ) أي لزوجته ومن معها عند مسيره من مدين إلى مصر ( إِنِّي آنَسْتُ ) أي رأيت ( ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ ) أي بخير الطريق على قوة الرجاء ، لأنه قد ضل عنها ، وقيل : لم يكن مع موسى غير امرأته إلا أنه لما عبر عنها بالأهل خاطب بلفظ الجمع « 2 » ( أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ ) الشهاب الشعلة ، والقبس النار المقبوسة ، كلاهما بالتنوين صفة وموصوف وبالإضافة « 3 » كإضافة ثوب جز ( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) [ 7 ] أي تدفعون البرد بحرها . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 8 ] فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) ( فَلَمَّا جاءَها ) أي موسى النار ( نُودِيَ ) موسى ( أَنْ بُورِكَ ) « أن » تفسير ، لأن في النداء معنى القول ، أي قيل له بورك ، ولا يجوز أن يكون مخففة ، لأنه لا بد من « قد » ، ولا يجوز إضمارها ، لأنها علامة لا تحذف ، قوله ( مَنْ فِي النَّارِ ) محله رفع ب « بُورِكَ » ، أي من يقرب من النار ( وَ ) بورك ( مَنْ حَوْلَها ) أو المكان محذوف فيهما ، أي بورك من في مكان النار ومن حول مكانها وهو البقعة التي ظهرت النار فيها ، ومعنى قوله تعالى « بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ » بشارة بقضاء أمر عظيم ينتشر منه البركة في أرض الشام كلها ، وتلك البركة هي حدوث أمر ديني من تكليم اللّه موسى عليه السّلام وإظهار المعجزات عليه فيها وإرساله إلى أباعد تلك البقعة لنشر بركة ذلك الخير فيها بنصر اللّه تعالى إياه ، والمراد ب « النار » هنا النور وهو نور رب العزة ، قيل : المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة الحاضرون ، والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض ، وفي ذلك الوادي وحواليها من أرض الشام « 4 » ، وإنما قال سآتيكم بالسين إيذانا لأهله بعوده إليهم وإن أبطأ ، وإنما قال أو آتيكم ب « أو » دون الواو رجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم إحديهما ثقة باللّه الكريم إما هداية الطريق أو اقتباس النار ، لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده ، قوله ( وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) [ 8 ] من جملة ما نودي تعجيبا له . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 9 ] يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) ( يا مُوسى إِنَّهُ ) أي الشأن ( أَنَا اللَّهُ ) أو مكلمك يا موسى أنا واللّه بيان أو بدل و ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ 9 ] صفتان له تعالى ، قيل : هذا جواب قول موسى من الذي يكلمني هنا حين سمع الخطاب ولم ير أحدا « 5 » . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) قوله ( وَأَلْقِ عَصاكَ ) من يدك ، عطف على أن بورك فألقاها فصارت حية ( فَلَمَّا رَآها ) أي العصا ( تَهْتَزُّ ) أي تتحرك ، حال من هاء « رَآها » ( كَأَنَّها جَانٌّ ) أي حية خفيفة أهلية ، وصارت عند فرعون ثعبانا وهي الحية الكبيرة الغير الأهلية ، وهي أيضا حال من ضمير « تَهْتَزُّ » ( وَلَّى مُدْبِراً ) أي رجع موسى على ظهره هاربا ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) أي لم يلتفت بعد هربه خوفا من الحية ، فقيل له ( يا مُوسى لا تَخَفْ ) من الحية ( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) [ 10 ]

--> ( 1 ) ولاستحقوا ، ح و : ولا يستحقوا ، ي . ( 2 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 4 / 190 . ( 3 ) « بِشِهابٍ قَبَسٍ » : قرأ بتنوين « شهاب » الكوفيون ويعقوب ، وبترك التنوين غيرهم . البدور الزاهرة ، 234 . ( 4 ) نقله المصنف عن الكشاف ، 4 / 191 . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها .